"مركز التعذيب" قلتة السطل ببويرة الأحداب... صرح شامخ وشاهد حيّ على جرائم الاستعمار الفرنسي بالمنطقة.
كتبه: د.محمد صالح باحث في التاريخ المحلي /صحفي الجلفة انفو
لاتزال المعتقلات ومراكز التعذيب التي أنشأها الاستعمار الفرنسي عبر ربوع الجزائر شواهد مادية على حجم الانتهاكات والجرائم التي ارتكبت في حق الشعب الجزائري خلال سنوات الاحتلال، ولعل من بين هذه المعالم التي تختزن ذاكرة الألم والمقاومة "مركز التعذيب" بقلتة السطل ببويرة الأحداب أو ما يعرف بمعتقل قلتة السطل، الذي يبقى شاهدا على بشاعة الاستعمار بمنطقة الجلفة كواحد من أقدم وأبشع مراكز الاعتقال والتعذيب، على غرار مركزي "بول كازيل" و"روس العيون".
وقد شكل هذا المعتقل وعلى مدار سنوات طويلة أداة قمع ومراقبة اتخذه الاستعمار لإرهاب الأهالي وكسر عزيمة المقاومين والمجاهدين، بحكم موقعه الاستراتيجي الذي جعل منه مركز مراقبة للأهالي ومختلف القوافل التي كانت تمر من الجنوب إلى الشمال والعكس، ليتحول فيما بعد إلى مركز اعتقال وتعذيب واستنطاق.
الموقع والخلفية التاريخية:
يقع مركز التعذيب "قلتة السطل" بالطريق الوطني رقم واحد بالقرب من منطقة الصقيعة التابعة لبلدية بويرة الأحداب والتي تبعد عن مدينة حاسي بحبح بحوالي 15 كلم شمالا، وكان هذا المركز يتبع تاريخيا للناحية الثانية بالمنطقة الثانية ضمن الولاية السادسة التاريخية، ويعتبر هذا المركز من أوائل المعتقلات الرسمية التي أنشأها الاستعمار الفرنسي في الجزائر حسب بعض المصادر.
وقد أنشئ هذا المركز من قبل السلطات الفرنسية سنة 1853م ويحمل اسم الجنرال الفرنسي "روندون" الحاكم العام آنذاك، ليكون في بدايته حامية عسكرية محصنة للقوات الفرنسية ومركز مراقبة، هدفه قمع الثورات الشعبية التي كانت تنشط بالمنطقة، ومنه قمع الأهالي الذين كانوا يشكلون سندا لهذه الثورات، في إطار تعزيز السياسة التوسعية للمنطقة بقيادة الجنرال الفرنسي "روندون".
معمار المعتقل ومكوناته:
يتكون المعتقل من بناية مستطيلة الشكل تمتد على مساحة تقدر بنحو 850 مترا مربعا، وقد خضع لأشغال ترميم بعد سنة 2016 حيث كان في وضعية متدهورة، قبل أن يرد له الاعتبار من قبل مديرية المجاهدين.
ويحيط بالمعتقل سور مرتفع يتجاوز أربعة أمتار مدعم بأبراج مراقبة، بها فتحات ضيقة في الجهة الأمامية المقابلة للطريق الوطني رقم واحد يتجاوز عددها 18 فتحة تستعمل للمراقبة، ولإخراج فوهات البنادق من قبل الجنود أثناء الحماية والرقابة.
والمعتقل به 22 غرفة ما بين صغيرة وأخرى كبيرة، موزعة على الطابق الأرضي والطابق العلوي الذي به 6 غرف خصصت لقائد الحصن ولعدد من جنود الحماية والمراقبة، وبالمعتقل مدخل وحيد يعكس شدة التحصين والتخوف الدائم من هجمات الأهالي.
وعلى يسار المدخل الرئيسي للمعتقل يوجد غرفتان صغيرتان إحداهما تحتوي على قبو يمتد تحت الأرض لمسافة تقارب 20 مترا، كما تتوسط ساحة المعتقل بئر عميقة للمياه وبجانبه حوض طويل لسقي خيول الحامية، إلى جانب 10 إسطبلات موزعة على طرفي المعتقل لإراحة الخيول.
ويوجد على طرف أحد هذه الإسطبلات التي تقع على يمين الداخل إلى هذا المعتقل مقصلة كانت مخصصة لإعدام المعتقلين والمشتبه فيهم، وعلى الطرف الأخر من المقصلة يوجد باب صغير يقود إلى ممر سري يؤدي إلى غرفة وباب صغير يستخدم في الحلات الطارئة.
من مركز للغابات إلى معتقل رعب...
تحول المعتقل مع سنة 1940 إلى مركز تابع لمصالح الغابات في النظام الفرنسي، حيث كان يُعرف بـ"حوش لاغراد"، وهذا إلى غاية اندلاع الثورة التحريرية أين قامت سلطات الاحتلال بتحويله إلى مركز لاعتقال النشطاء العسكريين، والسياسيين، والمناضلين، وكل الأهالي المؤيدين للثورة حيث كانوا يعذبونهم بكافة الوسائل من كهرباء، وماء ونار وضرب وجلد، وغيرها بالإضافة إلى ممارسة الإعدام بالمقصلة التي لاتزال شاهدة على ذلك بهذا المركز.
وتشير بعض المصادر إلى أن المعتقل كان محاطا بالأسلاك الشائكة ويحتوي في الداخل على خيام بالية وممزقة لا تقي من الحرد والبرد، مشكلة على صفين متقابلين وعلى مسافة منهما نصبت خيام للحراسة وتسكنها فرقة عسكرية على رأسها ضابط برتبة نقيب.
وقد حول هذا المركز في ماي 1955 إلى معتقل وجرى تقسيم المعتقلين فيه إلى معتقلين مثقفين وغير مثقفين لإحداث التفرقة ولإثارة التمييز، وكان المعتقل مليء بالعقارب السامة والأفاعي، أين كانت حياة المعتقلين صعبة فالأكل قليل وغير صحي والماء يوزع بالقسط، حيث عانى المعتقلون فيه الكثير بإلزامهم بالأعمال الشاقة وكذا صيد العقارب حسب عدة مصادر.
ليتم تحويله بدءا من شهر ماي 1956 إلى مركز لعبور المساجين من سجن إلى آخر، أين كان يتم اعتقال المشتبه فيهم الذين يتم استجوابهم واستنطاقهم به، في مدة تتجاوز الشهر، وعلى إثرها يتم تحديد مصير كل معتقل بإحالتهم إلى المحكمة أو إطلاق سراحهم أو نقلهم إلى معتقلات أخرى دون خضوعهم لأية محاكمة، ليتم بعد ذلك غلقه وحولت محتويات المعتقل إلى معتقل بول كزيل "paul Cazelle" بعين وسارة.
المركز عشية الاستقلال...ذاكرة لم تمح
وعقب استقلال الجزائر واسترجاع الحرية استُغل المعتقل كمكتب للدرك الوطني لفترة طويلة، ثم إلى مفرزة للحرس البلدي خلال فترة العشرية السوداء إلى غاية إخلائه سنة 2008، ومن ثم الحاقه بقطاع المجاهدين سنة 2011 بموجب قرار صادر عن مديرية أملاك الدولة لولاية الجلفة تحت رقم 798 بتاريخ 06 جوان 2011.
ليبقى معتقل قلتة السطل، بما يحمله من جدران صامتة وآثار دامية، شاهدًا حيًا على وحشية الاستعمار الفرنسي، ودليلًا على حجم التضحيات التي قدمها أبناء الجزائر في سبيل الحرية والكرامة، استقلال لم يكن ليتحقق لولا مقاومة شعب آمن بحقه في الحياة الحرة، فواجه القمع بالسلاح والإرادة.

https://www.youtube.com/shorts/x-HB1EJOKyY
ردحذف